الشيخ محمد الصادقي
288
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
كانَ ذلِكَ الإهلاك والعذاب الشديد فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً كتبه اللّه على عباده في إثبات دون محو . 59 - وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ هذا الرسول الأخير بِالْآياتِ التخويفية إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وهم كافة المكذبين قبل هذه الرسالة الأخيرة ، ومثلا على تكذيب وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ آية مُبْصِرَةً حقّ رسالة صالح فَظَلَمُوا بِها إذ عقروها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ التخويفية إِلَّا تَخْوِيفاً فإن أصل الآية الرسولية رحمة لهدى الرسالة ، ثم تخويف المكذبين بها مهما كذبوهما . 60 - وَ اذكر إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ حيث رباك لقمة التربية الممكنة أَحاطَ قيوميا بِالنَّاسِ كسائر الخلق وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ وكأنها ما أري في منامه أن قردة ينزون على منبره وهم بنو أمية إِلَّا فِتْنَةً وامتحانا لِلنَّاسِ بما يقصّرون ، إذ يحولون الخلافة الربانية عن موضعها وَ كذلك الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وهي ثالوث شجرة النّفاق والاشراك والإلحاد وَنُخَوِّفُهُمْ أولئك الأنكاد الذين يحنون ظهورهم للشجرة الملعونة فَما يَزِيدُهُمْ تخويفنا إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً . 61 - وَ اذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أجمعين ومعهم إبليس إذ كان يتظاهر بأعمالهم اسْجُدُوا للّه عبودية و لِآدَمَ شكرا للّه أن خلقه معلما لكم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ تخلفا عن أمر اللّه ، وقد عرف أنه للوجوب خلافا لبعض من يتبعه حيث يختار في كونه للوجوب قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ ه إنسانا حال كونه طِيناً مما يدل على القفزة الطينية لآدم الأول ، وإلا فلا موقع ل " طِيناً " حالا من آدم حين خلق ، وقد صدقه اللّه في تلك القفزة الطينية . 62 - قالَ إبليس أَ رَأَيْتَكَ نفسك إلها هذَا آدم الَّذِي كَرَّمْتَ ه عَلَيَّ أن أسجد لك شكرا أن خلقته بعدنا معلما لنا لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ استحمارا لهم يحنون ظهورهم لأركبهم فيرتكبون ما أهواه إِلَّا قَلِيلًا هم المخلصون ككل ، والمخلصون كأكثر عقائدهم وأعمالهم دون خروج عن التوحيد الحق . 63 - قالَ اذْهَبْ مذهبك احتناكا ، أمرا أمرّ من النهي ، سماحا تكوينيا لما حرمه اللّه تشريعيا فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ولا سيما عقيديا فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ أيها التابعون له جَزاءً مَوْفُوراً لا نقصا ولا نقضا . 64 - ثم بعد عموم الأمر الإمر يأتي خصوصه وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ على استفزازه الاستخفاف ، حركة راقصة شيطانية ، أم عما أمر اللّه إلى خلافه ، وكلاهما دركات شيطانية بِصَوْتِكَ فالأصوات اللهوية هي شيطانية إذ تلهي عن الحق المرام وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ حملة بقوة غير صوتية إذ لم يؤثر فيهم صوتك استفزازا ، فاستفززهم - إذا - بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ كفاية عن قواته الماشية والراكبة وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كخطوة ثالثة إهلاكا للحرث والنسل وَعِدْهُمْ كخطوة رابعة لمستقبلاتهم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً وزورا " باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ " . 65 - ذلك الإغواء المسموح تكوينيا ، ولكن إِنَّ عِبادِي الخالصين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أن يقعوا في فخّك ، فإن سلطانهم أقوى من سلطانك ، مهما لم يكن لك أي سلطان ، ولكن الغاوين يسلطونك على أنفسهم رغم سلطانهم وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا عليهم حيث يتوكلون عليه ، فهو وليهم ووكيلهم بما كانوا يعملون . 66 - رَبُّكُمُ يا عباد هو الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ دفعا للانسياق كما يسوق فِي الْبَحْرِ برياح وما أشبه من وسائل هي وصائل لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ